الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
89
شرح ديوان ابن الفارض
عينه أصل وإنما انتفاؤه في صباح نور الأحدية الإلهية فهو أمر طارىء عليه فأخبر أن أمره وشأنه في الحالين سواء ومحبته الإلهية لم تنقص منه باستيلاء الفناء والاضمحلال عليه كما أنها كذلك في حالة غفلته ورجوعه إلى ذاته الكونية وأحواله النفسانية . وقوله مكتئبا ، خبر لأصبح وأمسى على طريقة التنازع وهو من الكآبة وهي الغم وسوء الحال والانكسار من حزن فإن شهود سطوة الحق تعالى غالبة عليه تمحقه وتفنيه وتثبته وتبقيه . وقوله ولم أقل جزعا الخ . عدم قوله ذلك نقصان من بشريته بالنسبة إلى بشرية النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي قال اشتدي أزمة تنفرجي لأنه صلى اللّه عليه وسلم كامل البشرية مع كمال الملكية وكامل البشرية من غير الأنبياء عليهم السلام لا يقدر أن يثبت لظهور التجليات الملكية فيه إلا وتنقص بشريته لنقصان إدراكه في نفسه ولهذا لما مات ابن النبي صلى اللّه عليه وسلم إبراهيم بكى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لمحزونون عليك يا إبراهيم » ، ولما مات ابن بعض الأولياء ضحك فقيل له في ذلك فقال ألا أفرح بأمر إرادة اللّه تعالى فجرى على خلاف مقتضى البشرية والنبي صلى اللّه عليه وسلم جرى على مقتضى البشرية مع جريانه على مقتضى الولاية والنبوّة والرسالة ولم ينقص منه شيء من ذلك في جميع أطواره صلى اللّه عليه وسلم وقد وقع لي في ابتداء السلوك أنه مات لي ابن لم يكن لي غيره فكان يغلب الضحك عليّ في وقت مشاهدة تغسيله وتكفينه ودفنه فرحا بمراد اللّه تعالى حتى أتى صديق لي يريد تعزيتي وتسليتي فرآني على تلك الحالة من الفرح فعجب من ذلك وهو لا يعلم بحالي ثم زال عني ذلك الحال فعلمت نقصانه ولكن السلوك له أطوار يقتضيها فمنها ذلك واللّه أعلم بما هنالك . اه . أهفو إلى كلّ قلب بالغرام له شغل وكلّ لسان بالهوى لهج [ الاعراب والمعنى ] « أهفو » بمعنى أميل . « إلى كل قلب » له شغل بالغرام وتنكير الشغل للدلالة على أنه يميل إلى كل قلب مشتغل بالغرام أي شغل سواء كان شغله المحبة أي لحكاية أو لتذكير أو لنظر حال من الأحوال التي لأرباب الغرام . قوله « وكل لسان » بالجرّ عطف على كل قلب أي أميل إلى كل قلب مشتغل بالغرام وكل لسان لهج بالحب ولو بأدنى كلام . و « لهج » على وزن فرح من قولهم لهج فلان بكذا أي صار يكثر من ذكره . الإعراب : إلى كل قلب : متعلق بأهفو وله خبر مقدم . وشغل : مبتدأ مؤخر . وبالغرام : متعلق يشغل . والجملة في محل جر على أنها صفة قلب إذ المعنى أميل إلى كل قلب موصوف بأنه مشتغل بالغرام ولو بأدنى إلمام . ولهج : صفة لسان . وبالهوى : متعلق بلهج .